اقتصاد عربي دولي

إيطاليا تفتح أبوابها لنصف مليون عامل مهاجر

إيطاليا تفتح أبوابها لنصف مليون عامل مهاجر

الأربعاء 31 ديسمبر 2025-

 تفرض التحولات المجتمعية والاقتصادية في أوروبا نفسها بقوة، في مواجهة التوجهات السياسية اليمينية المتنامية. وإيطاليا، التي صعد فيها اليمين إلى سدة السلطة بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، تمثل نموذجًا بارزًا لهذا التناقض. فبينما يرفع الخطاب السياسي اليميني شعارات حماية المجتمع من تدفقات المهاجرين، تجد الحكومة نفسها أمام ضرورات اقتصادية وديموغرافية تجبرها على تجاوز محظوراتها السياسية السابقة، والانفتاح على استقدام العمالة الأجنبية.

خلفية سياسية واقتصادية

لم يكن إعلان الحكومة الإيطالية في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي عن خطة واسعة النطاق لمنح نحو نصف مليون تصريح عمل للعمال من خارج الاتحاد الأوروبي خلال الفترة 2026–2028 حدثًا عاديًا. بل جاء في سياق أزمة عميقة في سوق العمل، وتحديات ديموغرافية متفاقمة، أبرزها:

تراجع السكان في سن العمل نتيجة انخفاض معدلات الولادة.

شيخوخة متسارعة للسكان المحليين.

هجرة القوى العاملة الإيطالية الشابة إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل.

هذه العوامل أدت إلى نقص حاد في العمالة في قطاعات تعتمد تقليديًا على الأيدي العاملة المكثفة، مثل الزراعة، البناء، الخدمات، والسياحة.

مرسوم “ديكريتو فلوسي” (Decreto Flussi)

في هذا المناخ، يبرز مرسوم “ديكريتو فلوسي” كإطار تنظيمي جديد يعتمد نظام حصص عمل لغير الأوروبيين، وهو الأكبر في تاريخ البلاد. لا يقتصر هذا النظام على الأرقام، بل يتضمن توزيعًا دقيقًا للتصاريح بحسب نوع العمل واحتياجات السوق، ما يعكس إدراكًا حكوميًا متقدمًا لمسارات الهجرة والعمل داخل الاقتصاد الإيطالي.

الأبعاد الاستراتيجية

بحسب الأرقام الرسمية، تعتزم إيطاليا إصدار نحو 497,550 تصريح عمل بين 2026 و2028، موزعة على:

العمالة الموسمية: في الزراعة والسياحة.

العمالة غير الموسمية: في البناء والخدمات.

المهنيون المستقلون: في الرعاية الصحية والمهن التقنية.

تهدف هذه الاستراتيجية إلى:

سد الفجوة في العمالة الموسمية خلال فترات الذروة.

دعم الصناعات التقنية والخدمات المهنية عبر استقطاب مهارات غير متوفرة محليًا.

تعزيز الأعمال الحرة والمهن المتخصصة.

المبررات الاقتصادية

القرار الإيطالي ينبع من معطى اقتصادي واضح: نقص العمالة يهدد القدرة الإنتاجية في قطاعات استراتيجية.

في الزراعة، تعتمد إيطاليا بشكل كبير على العمال الأجانب لجني المحاصيل وضمان استمرارية الإنتاج.

في الخدمات والرعاية الصحية، الطلب على العمال المهرة يفوق العرض المحلي، ما يعيق الاستثمارات والتوسع الاقتصادي.

لذلك، يمثل التخطيط طويل الأجل للهجرة القانونية محاولة لإعادة التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، بعيدًا عن العمالة غير النظامية التي ترتبط غالبًا بمشكلات اجتماعية وقانونية.

البعد القانوني والإجرائي

لم تكتف الحكومة بزيادة التصاريح، بل أرفقتها بإصلاحات قانونية لتسهيل الإجراءات:

إصدار القانون رقم 182/2025 لتبسيط منح التصاريح واختصار مهلة المعالجة إلى 30 يومًا.

اعتماد نظام التقديم المسبق (pre-filing) لتخفيف الضغط الإداري وزيادة الاستفادة من الحصص.

التحديات الاجتماعية

رغم المبررات الاقتصادية، تواجه المبادرة تحديات اجتماعية:

الاندماج: ضمان إدماج العمال المهاجرين في المجتمع الإيطالي.

حقوق العمال: حماية المهاجرين من الاستغلال، خصوصًا في القطاعات الموسمية التي تعاني من ظاهرة “الكابورالاتو”.

الرقابة: الحاجة إلى آليات تنفيذية صارمة لضمان تطبيق القوانين.

البعد الديموغرافي والسياسي

تشكل أزمة اليد العاملة جزءًا من تحولات ديموغرافية أوسع في الاتحاد الأوروبي، حيث يشكل المهاجرون غير الأوروبيين نحو 6.4% من إجمالي السكان في 2024.

سياسيًا، يمثل القرار توازنًا حساسًا بين:

السيطرة على الهجرة غير النظامية.

تلبية الاحتياجات الاقتصادية الملحة.

بين الاقتصاد والقانون والمجتمع

يمثل القرار الإيطالي تحولًا استراتيجيًا في فهم العلاقة بين الهجرة وسوق العمل. فهو يجمع بين البعد الاقتصادي (سد فجوة العمالة)، والبعد القانوني (تنظيم الهجرة)، والبعد الاجتماعي (حماية الحقوق والاندماج).

لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح إيطاليا في تحويل هذه التصاريح إلى فرص اقتصادية مستدامة تعزز الإنتاجية وتدعم تكامل المهاجرين؟ أم أن التحديات البنيوية –من تشابك القوانين إلى الممارسات الاجتماعية– ستعرقل الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى