تحليلات اقتصادية

سائل ذهبي مغشوش !

سائل ذهبي مغشوش !

 الثلاثاء 6 يناير 2026-

يعد العسل من أكثر المنتجات الطبيعية تعرضا للغش عالميا، نظرا لقيمته الغذائية العالية وسعره المرتفع والإقبال المتزايد على شرائه.

في الأسواق، وخاصة في المناطق التي تفتقر للرقابة، تنتشر أنواع مغشوشة تُباع تحت مسمى “عسل طبيعي” رغم أنها مجرد محاليل سكرية مصنعة. هذا التقرير يرصد أبرز طرق الغش المتبعة في المصانع غير المرخصة.

كيف يُغش العسل؟

تستخدم بعض المصانع غير المرخصة طرق متنوعة لغش العسل، بعضها يعتمد على خلط العسل الطبيعي بمكونات أخرى بهدف زيادة الكمية، غير أن بعضها الآخر لا يستخدم العسل الطبيعي على الإطلاق ويعتمد على إضافة النكهات الطبيعية لمنتجه.

إضافة الجلوكوز التجاري أو شراب الذرة عالي الفركتوز

تعد هذه الطريقة من أكثر أساليب الغش انتشارا، خصوصا في المصانع الصغيرة أو غير المرخصة، لأنها رخيصة وسهلة التنفيذ، يستخدم الغلوكوز السائل أو شراب الذرة عالي الفركتوز كونه حلوَ المذاق، ويشبه إلى حد كبير قوام العسل الطبيعي.

ثم تُخلط هذه المواد بكمية قليلة جدا من العسل الطبيعي -أو بدون عسل- للحصول على قوام ولون مقنعين.

وفي بعض الأحيان يضاف إلى الخليط منكهات صناعية تحمل رائحة العسل (مثل نكهة البرسيم أو الزهور البرية) لتضليل المستهلك.

ولا شك أن هذا الخليط يفتقر تماما إلى الفوائد الصحية المرتبطة بالعسل الطبيعي، إذ لا يحتوي على الإنزيمات النشطة أو المواد المضادة للبكتيريا التي تميز العسل الأصلي.

يضاف شراب الذرة عالي الفركتوز ويعد أكثر طرق غش العسل شيوعا، كونه حلو المذاق (فري بيك)

إذابة السكر الأبيض أو البني

تعد هذه الطريقة البدائية الأكثر شيوعا، حيث يتم تسخين السكر الأبيض أو البني في الماء حتى يتحول إلى شراب كثيف.

يتم التحكم في اللون بطول مدة التسخين، أو بإضافة صبغة الكاراميل لتقليد لون العسل الطبيعي.

غالبًا ما يُضاف هذا الخليط مباشرة في عبوات زجاجية أو بلاستيكية رخيصة ويوزع محليا على أنه “عسل بلدي” أو “عسل جبلي”.

 هذا النوع يفتقر إلى أي قيمة غذائية حقيقية، ويشكل خطرا على مرضى السكري لاحتوائه على تركيزات عالية من السكريات البسيطة.

تغذية النحل بشراب السكر الصناعي بدلا من الرحيق الطبيعي

يغذي بعض مربي النحل، بدافع تقليل التكاليف وزيادة الإنتاج، النحل بشراب سكر مخفف (غلوكوز أو سكر مائدة) بدلا من ترك النحل يجمع الرحيق من الأزهار.

ينتج من ذلك ما يُعرف بـ”العسل المُصنع” الذي تفرزه النحلة، لكنه لا يحتوي على الخصائص الطبيعية التي تميز العسل الحقيقي.

هذا النوع من الغش لا يمكن كشفه بسهولة بالتحاليل العادية، ويحتاج إلى اختبارات متقدمة (مثل تحليل نظائر الكربون C13).

تخفيف العسل الطبيعي بالماء أو شراب سكري

يلجأ بعض التجار إلى تخفيف العسل الطبيعي بكمية من الماء أو شراب سكري (سكر + ماء)، ثم يضيفون مواد كيميائية مثل الجيلاتين أو النشا ليحتفظ بقوامه.

هذا النوع من العسل لا يدوم طويلا، وغالبا ما تظهر عليه علامات التلف بسرعة مثل التخمر أو تكون فقاعات.

كما يحاول بعضهم إضافة مواد صناعية لتعديل المظهر والطعم مثل الصبغات لتوحيد اللون أو إخفاء العيوب، والمنكهات لإعطاء رائحة اصطناعية، والمواد الحافظة لزيادة مدة الصلاحية.

ويُضاف أحيانا مواد مضادة للرغوة لإزالة الفقاعات الناتجة عن التفاعل الكيميائي بين المواد المغشوشة.

 ابرز الدول المصدرة للعسل المغشوش

لا توجد تقارير رسمية تحدد دول بعينها كـ “مصدر رئيسي” لتصدير العسل المغشوش بمحاليل سكرية، لكن منظمات الغذاء الدولية وخبراء النحل يؤكدون أن ظاهرة الغش بالعسل واسعة الانتشار عالميًا، خصوصًا في الأسواق التي تعتمد على الاستيراد بكميات كبيرة مثل الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يتم رصد دخول شحنات من دول آسيوية وأمريكية لاتينية تحتوي على عسل منخفض الجودة أو مخلوط بالسكر.

 ورغم أن الحكومات عادةً لا تعلن أسماء الدول بشكل مباشر، إلا أن تقارير من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أشارت إلى أن:

الصين: تُعتبر من أكبر مصدري العسل عالميًا، وقد وُجهت لها انتقادات متكررة بسبب شحنات عسل مغشوش أو معالج بالسكر.

الهند وفيتنام: وردت تقارير عن إعادة تصدير عسل صيني عبر هذه الدول لتجاوز القيود الجمركية.

أوكرانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية (مثل الأرجنتين والبرازيل): رغم أنها دول منتجة طبيعية، إلا أن بعض الشحنات التي وصلت إلى أوروبا وأمريكا خضعت للفحص ووجدت بها نسب غير مطابقة للمواصفات.

 وتجدر الإشارة ان هذه ليست اتهامات رسمية، بل نتائج فحوصات مخبرية وتقارير رقابية دولية تشير إلى وجود شحنات غير مطابقة للمواصفات.

المخاطر والتحديات

صحية: العسل المغشوش يفقد قيمته الغذائية والدوائية، وقد يحتوي على مواد غير آمنة إذا لم تتم معالجته بشكل صحيح.

اقتصادية: يضر بمربي النحل المحليين الذين ينتجون عسلًا طبيعيًا عالي الجودة، إذ يغرق السوق بمنتجات رخيصة.

قانونية: الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شددوا القوانين على استيراد العسل، وفرضوا فحوصات دقيقة للكشف عن الغش.

كيف تكتشف العسل المغشوش؟

1. اختبار الماء

ضع ملعقة عسل في كوب ماء بارد دون تحريك.

العسل الطبيعي يترسب في القاع ويحتفظ بقوامه، بينما يذوب العسل المغشوش سريعا أو يختلط مباشرة بالماء.

2. اختبار اللهب

اغمس عود ثقاب في العسل وحاول إشعاله.

إذا اشتعل، فالعسل غالبا طبيعي (لأنه لا يحتوي على ماء)، وإذا لم يشتعل، فقد يكون العسل مخففًا بالماء.

3. اختبار الورق النشاف

ضع قطرة عسل على ورقة نشاف أو منديل.

العسل الطبيعي لا يخترق الورقة بسرعة، بينما المغشوش يترك بقعة مائية.

4. المذاق والرائحة

العسل الطبيعي له طعم غني متدرج لا يزول بسرعة، لكن العسل المغشوش يكون إما حلوا جدا بلا نكهة مميزة أو بنكهة صناعية واضحة.

5. تبلور العسل

يتبلور العسل الطبيعي بعد مدة (يتحول إلى مادة سميكة أو متبلورة)، أما العسل الصناعي أو المغشوش فيبقى سائلا فترة طويلة جدا بسبب تركيبته الصناعية.

رغم انتشار العسل المغشوش في الأسواق، يبقى وعي المستهلك هو خط الدفاع الأول. فاختيار المصدر الموثوق، وفهم أساليب الغش، يضمنان الحصول على عسل نقي يحمل فوائده الحقيقية، لا مجرد نكهة مزيفة.

اقرأ أيضا: تراجع إنتاج العسل في وصاب العالي بسبب التحطيب الجائر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى