
استكشاف التجارب الناجحة للجمعيات الزراعية في بناء سلاسل القيمة للحليب بالحديدة
الاحد 8 فبراير 2026-
في صباحٍ يمنيٍّ هادئ، انطلقت رحلة ميدانية لبعض المثقفين من أبناء محافظة حجة إلى محافظة الحديدة لاستكشاف التجارب الناجحة للجمعيات الزراعية في بناء سلاسل القيمة للحليب ومشتقاته. الرحلة لم تكن مجرد زيارة، بل نافذة على واقع اقتصادي واجتماعي يختلط فيه العرق بالذاكرة، والجهد بالحنين، والابتكار بالحاجة الملحّة.
الحلقة الأولى: من الحوش إلى نقطة التجميع
بدأت السلسلة من المزارع الصغيرة حيث الأبقار المحلية والمهجنة، وحيث المربي يعتني بقطيعٍ يعدّه جزءاً من أسرته. الحليب هنا ليس سلعة فحسب، بل رمز للعلاقة الحميمية بين الفلاح وماشيته. ومع ذلك، فإن هذه الحلقة الأولى تواجه تحديات كبيرة:
حساسية المنتج: الحليب سريع التلف ويتأثر بالحرارة والاهتزاز.
عوائق اجتماعية: بعض الأسر تتحرج من بيع الحليب بسبب مفاهيم تقليدية خاطئة.
نقص البنية التحتية: غياب البرادات والمعامل يعرقل استدامة الإنتاج.
رغم ذلك، استطاعت الجمعيات الزراعية أن تؤسس نقاط تجميع منظمة، مثل نقطة “البوطة”، التي بدأت بـ 20 لتراً يومياً لتصل اليوم إلى 5000 لتر، بفضل جهود شباب اكتسبوا خبرتهم من الممارسة المباشرة.
الحلقة الثانية: مركز المنصورية – اقتصاديات الأرقام
عند الوصول إلى مركز تجميع الحليب في مديرية المنصورية، بدت الصورة أكثر وضوحاً. هنا تتحول الجهود الفردية إلى أرقام اقتصادية ضخمة:
الإنتاج اليومي: 24,000 لتر من نطاق جغرافي لا يتجاوز 5 كيلومترات.
القيمة المالية: أكثر من 8 ملايين ريال يومياً، أي ما يقارب 252 مليون ريال شهرياً، وأكثر من 3 مليارات ريال سنوياً.
الأسر المستفيدة: 4,000 أسرة تحصل على دخل أسبوعي يقدّر بـ 14,000 ريال.
هذه الأرقام تكشف أن الحليب المحلي لم يعد مجرد منتج منزلي، بل أصبح مورداً اقتصادياً يساهم في تحسين دخل آلاف الأسر، ويؤسس لقطاع إنتاجي قادر على المنافسة.
الحلقة الثالثة: من المركز إلى المصنع – الاستراتيجية الوطنية
الخطوة التالية كانت زيارة مصنع “نانا”، حيث يتم استقبال الحليب المحلي وفق خط إنتاج موازٍ للحليب المجفف المستورد. هذه النقلة النوعية جاءت بفضل الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة الحليب، التي فرضت على المصانع استقبال المنتج المحلي.
ورغم أن إنتاج محافظة الحديدة لا يغطي سوى 10% من الاستهلاك اليومي المقدر بمليوني لتر، فإنها بداية واعدة. الأرقام تكشف حجم التحدي:
فاتورة الاستهلاك الوطني: 1.6 مليار ريال يومياً، 48 مليار ريال شهرياً، و576 مليار ريال سنوياً.
فاتورة مديرية واحدة (حبور ظليمة): أكثر من 2.2 مليار ريال سنوياً، فقط للحليب والزبادي.
هذه الأرقام تضع أمام صناع القرار والمجتمع سؤالاً محورياً: هل آن الأوان لتوسيع التجارب الناجحة للجمعيات الزراعية لتقليل فاتورة الاستهلاك الباهظة؟
البعد الاجتماعي والإنساني
لم يكن التقرير مجرد أرقام، بل حمل بين طياته مشاعر المربين. إحدى النساء المربيات وصفت بقرتها بأنها “كأحد أولادها”، بل أكثر وفاءً من الابن الذي ينشغل بحياته الخاصة. هذه العلاقة العاطفية تفسر تحفظ كثير من المزارعين عن ذكر حجم إنتاجهم، وتكشف أن الحليب في اليمن ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل جزء من الهوية الريفية والاجتماعية.
ختاما رحلة الحديدة أظهرت أن الجمعيات الزراعية استطاعت أن تكسر الحواجز الاجتماعية، وتبني منظومة اقتصادية متكاملة تبدأ من الحوش وتنتهي بالمصنع. ورغم التحديات، فإن الأرقام تؤكد أن الاستثمار في سلاسل القيمة للحليب ومشتقاته ليس خياراً تنموياً فحسب، بل ضرورة وطنية لتقليل فاتورة الاستهلاك، وتحويل الريف اليمني إلى رافعة اقتصادية حقيقية.
اقرأ أيضا: قمح الجوف… الذهب اليمني الذي يعلن بداية عصر الاكتفاء الذاتي