شارع المطاعم بصنعاء..قصة اليمن الكبير التي يجمعها فنجان شاي عدني مدهش

شارع المطاعم بصنعاء..قصة اليمن الكبير التي يجمعها فنجان شاي عدني مدهش
* شارع يمنح رواده حرية بلا ادّعاء، ثقافة بلا بروتوكول، وصداقة حقيقية بلا حواجز
* مئة متر تختزن ذاكرة اليمن وتجمعالسياسة والاقتصاد والرياضة في فنجان شاي ورغيف خبز

- عبدالرحمن مطهر
العاصمة صنعاء، وتحديداً مدينة صنعاء القديمة كما يعرفها الكثير تعتبر أحد أقدم مدن العالم المأهولة، والتي تتميز بعمارتها الفريدة ذات البيوت المزخرفة بالجبس الأبيض والنوافذ الملونة، ومساجدها التاريخية وأسواقها الشعبية النابضة بالحياة، وسكانها الذين لا يزالون محافظين على عاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة.
كل ذلك وغيره جعل من مدينة صنعاء في المجمل؛ متحفاً مفتوحاً، لا يمل الانسان من زيارته مرات ومرات…
ميدان التحرير
وفي المقابل هناك أيضا أماكن يحرص كل من يزور العاصمة صنعاء على الوصول أولا إليها، سواء أكان من أبناء اليمن أو خارجها كميدان التحرير مثلاً.
وميدان التحرير عبارة عن فسحة واسعة تتنفس فيها العاصمة، تتقاطع فيه خطوات العابرين مع أصوات الباعة المتجولين، وتتعانق رائحة القهوة اليمنية الاصيلة، مع عبق الكتب المعروضة في الأكشاك الصغيرة، وعلى مكتبات الرصيف الموَّزعة في أرجاء هذا الميدان.
والميدان- الذي كان يسمى بميدان شرارة، يقع وسط العاصمة صنعاء؛ أنشئ بعد قيام ثورة 26سبتمبر1962م، وكان يسمى سابقاً: ميدان شرارة- تحيط به العديد من المباني التاريخية والتي ترجع لعصر تواجد الدولة العثمانية في اليمن.
ومن هذه المباني المتحف الوطني والحربي ومتحف التراث الشعبي، ودار السعادة، ومسجد المتوكل التاريخي وغيره من المعالم التاريخية التي تبرز كحراس للتاريخ، تحفظ ذاكرة الأجيال وتروي حكايات اليمن عبر العصور.

ميدان التحرير رغم أن له تاريخ كبير لموقعه وظروف نشأته، إلا أنه ليس المكان أو الموقع الوحيد الذي يحرص الزائر على زيارته، بل هناك أسوق مهمة تجذب الزائرين كسوق شارع جمال، وهو بالمناسبة أبرز سوق تجاري في العاصمة صنعاء، اشتهر ببيع الأقمشة والملابس منذ ثورة 26 سبتمبر1962م ولا يزال محافظا على حيويته ونشاطه، كذلك تم أنشاء العديد من الوزرات والمؤسسات خلال السنوات الأولى لثورة 26 سبتمبر، في احياء هذا الميدان، كوزارة المواصلات، والبريد ووزراه الثقافة والسياحة، ووزارة الاتصالات ومدرسة جمال عبدالناصر، ومدرسة سيف بن ذي يزن وملعب الظرافي وغيرها من المرافق، إلى جانب ظهور شركات تجارية كبرى في هذا الميدان كمؤسسة الوتاري التجارية والتي لا تزال قائمة حتى اليوم وغيرها من الشركات والمؤسسات التجارية، فارتبط هذه الميدان بالسياحة والثقافة وبمؤسسات الدولة وبالاقتصاد أيضا، كل ذلك تقريبا أدى إلى نشوء حي شعبي خلف مبنى البريد قد لا يتعدى المائة متر تقريباً، لتلبية رغبات رواد هذه المؤسسات من وجبات الإفطار بشكل أساسي بداية، وهو شارع المطاعم محور حديثنا خلال هذه الزاوية؛ وذلك لتلبية لاحتياجات رواد هذه المؤسسات.
“ شارع المطاعم” نافذة على مدينة تقاوم الحرب
هذا الشارع الصغير المجاور لميدان التحرير، والذي عرف عند الكثير “بشارع المطاعم” والبعض كان يسميه بشارع “العدانيه” لتجمع أبناء مدينة عدن الحبيبة فيه، بالرغم من ضيق مساحته إلا أنه يختزن في زواياه قصة اليمن الحديث، فلم يعد مجرد حي شعبي أو سوق للوجبات التي تلَّبي حاجة موظفي ورواد المؤسسات التي ذكرناها، بل تحول إلى “يمن مصغر” يحتضن- بكل دفئ وحنان- اليمنيين من مختلف محافظات الجمهورية لا سيما بعد الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م.
هذا الشارع المقفل، الذي يضفي عليه انغلاقه طابعاً خاصا ليس بالوجبات فقط وليس لمرور السيارات أو حتى المشاة، بل لأمور أخرى أكثر حميمية؛ حيث يلتقي الأصدقاء وتعقد النقاشات مفتوحة الأبواب شبيهة بالندوات، بل وأقيمت فيه فعلا ندوات ثقافية سنتحدث عنها.
هنا بين أرجاء هذا المكان المكتظ أغلب أوقاته، تداعب الزائر رائحة البن اليمني الأصيل وقهوة القرفة والزنجبيل والشاي بالحليب، من قهوة ملك الشاي العدني “مدهش عبادل”، مع رائحة الخبز الساخن والوجبات الشهية.
هنا يلتقي العدد من المثقفين خاصة اليساريين من الشمال والجنوب ومن مختلف المحافظات والمناطق اليمنية، يجتمع الصحفيون والأدباء والكتاب والرياضيون، يتناقشون في كل شيء، من الرياضة إلى الادب إلى الشعر، والقضايا السياسية دائما ما تكون هي الحاضر في كل المجالس والنقاشات وبكل قوة.
في مقهى مدهش تتداخل الأغاني بصوت أيوب طارش، مع أصوات النقاشات السياسية والرياضية، مع أصوات المباشرين “عمال المطاعم” مع الأصوات المزعجة للدراجات النارية التي بدأت حديثاً تدخل للشارع، ليصبح هذا المكان بمساحته المحدودة يمنًا مصغرًا وهو فعلاً كذلك، يجمع الصنعاني بالعدني ، الصعدي بالمهري والحضرمي، الريمي والوصابي بالتعزي، وهكذا مواطنين من مختلف المحافظات اليمنية، يتبادلون الهموم اليومية ومتاعب الحياة وينَّفِسون عن أنفسهم، هموم بعضهم البعض، يتحدثون عن كل شيء، عن حياتهم ومتاعبهم ومشاغلهم وعن الحرب وما أحدثته من شروخ وجراح اجتماعية نأمل ان يتم معالجتها بفضل العقلاء من مختلف الأطراف.
غير أن الجميل في كل تلك النقاشات هي حرية التعبير، إذا لا يستطيع أحد أن يصادر حرية التعبير لأي شخص آخر، والمهم في كل ذلك هو أن يتحدث الشخص باحترام من دون سخرية ولا ازدراء.
علاقتي الشخصية بالشارع
في ثمانينات القرن الماضي كنت أدرس الابتدائية في مدرسة جمال جميل، ومن هنا بدأت علاقتي بهذا الشارع لقربه من مدرستي التي أحببتها كثيرا ولا زلت أحبها لارتباطها بذكريات الطفولة، ولا أزال أتذَّكر كل تفاصيل دراستي فيها.
بالنسبة لي كان هذا الشارع عبارة عن شارع فيه مجموعة من المطاعم التي تبيع مختلف الوجبات والشاي وبأسعار مناسبة، كنت آتي إليه باكراً مع زملاء الدراسة للإفطار منطلقين بعد ذلك نحو مدرستنا.
وفي مطلع التسعينات كنت أيضا أدرس الإعدادية والثانوية في مدرسة سيف بن ذي يزن- التي هي بالمناسبة هي إحدى الهدايا العظيمة لدولة الكويت لبلادنا- أيضا كنت آتي مع بعض الزملاء الذين بعضهم كان يحضر معنا لأول مرة، وهكذا تعمقت علاقتي الشخصية مع هذا الشارع.
ومن بعد الدراسة الجامعية وخلال حضوري كزبون دائم في هذا الشارع تعرفت على العديد من الزملاء والأصدقاء والأدباء، أبرزهم لا شك الأديب والشاعر “محمد القعود” رئيس اتحاد الأدباء والكتَّاب اليمنيين في صنعاء، والذي تعرفت عليه في التسعينات، كما تعرفت من خلال هذا الشارع على الكثير من الأصدقاء واعتذر عن ذكر أسمائهم حتى لا يسقط أحد من ذاكرتي، خاصة أنهم كثير جداً.
وزادت هذه العلاقة مع الزملاء ومع هذا الشارع بعد دخولي المجال الصحفي خاصة بعد عودتي من تعز في العام 2004، فكان لا بد من الحضور إلى هذا الشارع لتناول الفطور، وأيضاً لاحتساء فنحان الشاي العدني المدهش من مقهى مدهش الذي اكمنت عليه، ومن يد المعلم مدهش عبادل خاصة أو نجله المعلم وهيب أو مستور، وحالياً هناك معلمون جدد هم أولاد العم مدهش كالمعلم وليد ووسيم وأيضا عمرو، وغيرهم…
شاي مدهش
وبكل صدق، وعن شهادة الكثيرين من رواد الشارع؛ شاي مدهش فعلاً مدهش بالرغم أنه مجرد ماء مفوَّر وقليل من الشاي بالحليب الممتاز والسكر وحالياً أشرب الشاي دون سكر، غير أن السر ليس في هذا المشروب الساخن، وإنما في الروح الطيبة والأصيلة لمن يعمل في تحضير هذا المشروب العدني سواء كان المعلم مدهش عبادل المؤسس الذي لا يزال يمارس عمله منذ حوالي خمسين عاماً، أو أولاده الذين أصبحوا اليوم معلمين محترفين في تحضير الشاي العدني وغيره من المشروبات الساخنة حسب طلب كل زبون.

يحضِّرون الشاي بنفس الروح الطيبة التي تعلموها من العم مدهش، يعملون ليل نهار دون تذمر يبتسمون للجميع ويرحبون بكل قادم جديد، ألاحظ الكثير يأتي إليهم ولا يملك ثمن فنجان الشاي، فيتم إعطاؤه دون تذمر أو من أو أذى.
فلم يتعلموا من العم مدهش كيفية تحضير الشاي العدني فحسب، بل تعلموا كذلك كيفية التعامل مع مختلف الزبائن من كتَّاب وسياسيين ومسؤولين عسكريين ومدنيين وغيرهم، واكتسبوا منه الروح الطيبة، وفي هذا الصدد يقول العم مدهش لكاتب السطور “لم أبخل يوما على أحد في نقل خبرتي إليه، واليوم العديد من العمال الذين عملوا معي فتحوا لهم محلاتهم الخاصة وأنا سعيد بنجاحهم هذا، فإيماني المطلق أن الرزق على الله، وأن ما للإنسان إلا ما كتب له، وأن لي الأجر الكبير في نقل خبرتي إليهم”.
لوحة تراثية في قلب العاصمة
بمجرد دخولك لشارع المطاعم يقابلك أصحاب خبز الخمير، وهو خبز يتم تحضيره بالزيت، ثم عربات “السحاوق” عبارة عن طماطم مفرومة بعد خلطها بالثوم والفلفل والكبزرة والنعناع والجبن لمن أراد، وما إلى ذلك، وهي وجبة لذيذة تعرف بوجبة البسطاء، وعلى يمينك تجد مطعم البوري صاحب أشهى إفطار وأيضاً وجبة العشاء، وعلي يسارك مقهى ملك الشاي العدني “مدهش عبادل” وبجانبه على اليمين بسطة صغيرة للخبز الطاوة يعمل عليها الرائع بدر حميد، ويسار مدهش يوجد مطعم النمر صاحب الوجبات الساخنة الإفطار والغداء العشاء، وفي الجهة المقابلة له توجد طاولة خبز “الطاوة” للفنان صادق، وهناك مقهى آخر للشاي العدني وهو المحل القديم للعم مدهش، والذي يعمل فيه حالياً بعض عماله السابقين. وللأمانة جميعهم شعارهم النظافة أولاً، وهذا ما يميِّزهم.
من يصل إلى التحرير لأول مرة، لا بد له بد له أن يسأل عن أفضل مطاعم شعبية في صنعاء فيدله الجميع إلى هذا المكان للإفطار، أو للغداء أو للعشاء، ومن يأتي إلية للمرة الأولى لا بد له أن يكرر هذه الزيارة مرات عديدة.
وخاصة في ظل الوضع الاقتصادي الذي يرزح تحت وطأته أغلب اليمنيين؛ يفَّضل الكثير تناول الشاي العدني مع الخبز الساخن؛ فتجد الطاولات متراصة، والمقاهي مفتوحة على الهواء، والناس يجلسون بلا حواجز طبقية أو مناطقية.
فهذا الشارع ليس مجرد مكان تجَّمع للناس لتناول الوجبات واحتساء الشاي، بل مساحة للحرية والفكر والتواصل الإنساني الحقيقي. كما كان ولا يزال جزءًا من ذاكرة اليمن التي لا تموت.
القعود… روح الشارع
في شارع المطاعم كما ذكرت يجد الزائر الطاولات عامرةً بالنقاشات الساخنة التي يقودها أشخاصٌ يتوسطون تجمعاتٍ صغيرة، كلٌ منهم يُضفي طابعًا خاصًا على الحوارات، ووسط هذا الزخم، هناك طاولة مختلفة يتجمع حولها أشخاص تتضح من ملامحهم انهم أدباء أو كتَّاب أو صحفيون، يجد الزائر أن هذه الطاولة بالتحديد تنبض بالحياة والنكات وبالنقاشات كأنها قلب الشارع.

عادة يتزعم الطاولة الأستاذ والأديب الكبير محمد القعود، والذي أصيب مؤخراً بوعكة صحية شفاه الله، ورغم ذلك يحرص على الحضور بصورة يومية تقريباً وأحياناً صباحاً ومساء.
فالأديب والشاعر محمد القعود يضفي على المكان روح البهجة والحياة المتفائلة بالغد الأفضل، قبل الحرب نظَّم الأستاذ القعود في هذا الشارع العديد من الندوات الثقافيةـ وأتذكر أن وزير الثقافة في العام 2012 وكان آنذاك الدكتور عبدالله عوبل حضر إحداها، كذلك نظَّم القعود حفل توقيع إحدى مجموعاته القصصية في هذا الشارع و ناسه البسطاء.
لذلك ارتبط الشارع بشخصية الأستاذ القعود، حتى أن البعض إذا لم يجد القعود يقفل عائداً مباشرة، فالأستاذ القعود يمثل صوتًا حيًا يملأ المكان، يربط بين السياسة والثقافة، بين اليومي والرمزي، بين الحكاية الشعبية والقصيدة الحديثة.
فحضوره جذب الشباب والكبار على حد سواء، حتى أصبحت طاولته منتدىً غير رسمي، يجتمع حوله العشرات لمناقشة قضايا الأدب والفن والسياسة، والاستماع إلى حكاياته التي لم تفقد بريقها يومًا.
لذا الأستاذ القعود، ليس مجرد أديب يجلس في زاوية شارع مزدحم يحتسي فنجان الشاي ويذهب إلى حال سبيله، بل روح نابضة تستقطب الكثيرين، وحضوره أضاف للمكان معنى يتجاوز المقهى.
وأتذكر في غياب القعود عند إصابته بالوعكة الصحية وسفره للقاهرة للعلاج، شعرت أن الشارع توقف عن النبض، والكثير كان يتساءل متى سيعود القعود.
«ناس شارع المطاعم» لوجدي الأهدل
ولم يجذب هذا الشارع الأستاذ القعود فحسب، بل جذب الكثير من الادباء والكتاب والسياسيين كما ذكرات، ومن أبرز هؤلاء الادباء والكتاب، الكاتب والروائي العالمي، وجدي الأهدل كان قبل سفره من أبرز رواد هذا الشارع، حيث كان يجلس بهدوئه المعتاد في إحدى زواياه يحتسي فنجان الشاي العدني ويشارك في النقاشات بهدوء أقرب إلى الهمس، كذا هي طبيعته المعتادة في الحديث مع الزملاء والأصدقاء والأدباء.
ولتعلقه بهذا الشارع كتب مجموعته القصصية الأكثر من رائعة تحت عنوان «ناس شارع المطاعم» والتي صدرت في العام (2017)، قدّم وجدي الأهدل خلال هذه المجموعة صورة أدبية مدهشة للشارع، بوصفه حبلاً سُرياً يتصل يربط ناسه البسطاء بالأرض، وفضاءً يواسي الحزانى والمتعبين. الأهدل جسد من خلال مجموعته القصصية هذه العديد من الشخصيات، فجعل من شارع المطاعم فضاءً واسعاً يجتذب كل محب للحرية والطبقة المثقفة، ويولّد الأفكار الجديدة.
ختاما
كما ذكرنا هذا الشارع يمثل اليمن الكبير، فيأتي إليه الكثير من المواطنين والزوار؛ لذا لا بد من تنظيمه وترتيبه، والاهتمام بنظافته، والعمل على زراعة زواياه بالأزهار الجميلة ومنع دخول الدراجات النارية إليه، وإزالة العشوائيات الموجودة كبعض قطع الخردة والحطب الخاصة بالفرن الموجود في نهاية الشارع وما إلى ذلك من أعمال التحسين، خاصة أنه يدر إيرادات لا بأس بها للجهات المختصة.
فالاهتمام بشارع المطاعم يأتي في إطار الاهتمام باليمن الكبير، بالتاريخ بالثقافة بالجمال، بمساحته الصغيرة التي تتسع للجميع.
بما يمنحه للناس من حرية بلا ادّعاء، ثقافة بلا بروتوكول، وصداقة حقيقية بلا حواجز.




