سقطرى.. الفردوس اليمني المهدد بالانقراض

سقطرى.. الفردوس اليمني المهدد بالانقراض  

عبدالرحمن مطهر

الخميس 29 يناير 2026-

في شهر مارس من العام 2013 م كنت ومجموعة من الزملاء الصحفيين على موعد مع جزيرة سقطرى، جنة الله في ارضه، وجوهرة المحيط الهندي، زيارة كانت في غاية الروعة، للتعرف على طبيعة الجزيرة التي طالما سمعت عن جمال الجزيرة الفاتنة العذراء..

 عرفت سقطرة بالتاء المربوطة وبالألف المكسور، عرفت بجزيرة البخور، وبجزيرة اللبان واللؤلؤ وكذلك بجزيرة الأخوين أو أشجار دم الأخوين.. ألقاب متعددة أطلقت عليها، لما لها من مكانة عالمية كأهم محمية طبيعية في العالم.

رغم العبث التي طالها خاصة خلال الشعر السنوات الماضية إلا ن سقطرة لا تزال تلك الجزيرة البكر كما خلقها الله.. تلجأ اليها أنواع مختلفة من الطيور لما تمتلكه من تنوع حيوي ونباتي مميز؛ ولهذا أعلنت محمية طبيعية في عام 2000، وفي عام 2008 تم تصنيفها كأحد مواقع التراث العالمي، كما تعد أيضا ضمن أهم أربع جزر في العالم من ناحية التنوع الحيوي والنباتي غير ان حكوماتنا المتعاقبة لا تحسن الترويج لها لذا لا يزورها إلى من عرفها ومن زارها لا بد له أن يكرر زيارتها مرات ومرات عديدة مصطحبا معه عائلته وأصدقائه.

فالحديث عن سقطرة ليس حديث عن جزيرة نائية وسط المحيط الهندي، بل عن لوحة طبيعية وأساطير حية، ومختبر بيئي عالمي، وفرص اقتصادية لليمن إن تم استغلالها الاستغلال الأمثل، وهذا الامر بالتحديد يحتاج دولة قوية ذات سيادة واستقلال.

الحديث عن سقطرة حديث عن جزيرة ارتبط اسمها منذ آلاف السنين باللبان ودم الأخوين، حديث عن جزيرة ارتبط اسمها بالمغامرة واكتشاف الطبيعة، وبأحلام السياحة البيئية المستدامة.

الحديث عن سقطرة أيضا حديث عن جزيرة أصبحت للأسف مسرحاً لصراع إقليمي ودولي، حيث سعت الامارات منذ أكثر من عشرين سنة على تجنيس العديد من سكانها واستقطابهم والعمل على نهب ثروات الجزيرة، مستغلة تراخي السلطات اليمنية في حمايتها، أما بعد الحرب في اليمن في العام 2015 فقط قامت الإمارات على احتلال الجزيرة وانشاء قواعد عسكرية وتثبيت نفوذها فيها، وبقي هذا الأمر حتى الشهر الماضي حيث انتقل النفوذ من الامارات إلى السعودية، وليس للسلطات اليمنية سوى سلطة صورية فيها.

الموقع

يقع أرخبيل سقطرى وسط المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي على بعد 380 كم من رأس فرتك بمحافظة المهرة كأقرب نقطة في الساحل اليمني كما تبلغ مساحة الأرخبيل 3.796 كم²، وتتكون من مجموعة جزر صغيرة هي (عبدالكوري، سمحة، درسة، وكراعيل) فيما يبلع عدد سكان الجزيرة حاليا حوالي 100 الف نسمة حسب بعض التقديرات، أما حسب تعداد عام 1994م فهو حوالي 65.514 نسمة، وسكانها من يمنيين معظمهم من قبائل المهرة.

وتعود اصول سكان جزيرة سقطرة إلى مهرة بن حيدان كما جاء في كتاب لسان اليمن للهمداني، أيضا كانت جزيرة سقطرة عاصمة للسلطنة المهرية إلى عام 1967 حيث سقطت بيد الجبهة القومية في جنوب الوطن، ومعظم السكان يعملون في الزراعة ورعي المواشي والصيد، أيضا يعمل البعض في غزل الصوف، وصناعة الاواني الفخارية، والنجارة وتصنيع القوارب، وبعض الصناعات الجلدية المتواضعة.

أهمية تاريخية

عرفت جزيرة سقطرى منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد كإحدى المراكز الهامة لإنتاج السلع المقدسة؛ ولذلك اكتسبت شهرتها وأهميتها كمصدر لإنتاج تلك السلع التي كانت تستخدم في الطقوس التعبدية لديانات العالم القديم حيث ساد الاعتقاد بأن الأرض التي تنتج السلع المقدسة آنذاك أرض مباركـة من الآلهة، وارتبطت الجزيرة في التاريخ القديم بمملكة حضرموت أمَّا في العصر الحديث فكان ارتباطها بسلطان المهرة عيسى بن عفرار لكن بعد قيام الثورة اليمنية تم الاطاحة بالسلطنة العفرارية وتم قتل الكثير من عائلة السلطان وتوجد قبورهم على الطريق العام من حديبو إلى المطار، ونظراً لأهمية الدور الذي لعبته الجزيرة في إنتاج السلع المقدسة والنفائس من مختلف الطيوب واللؤلؤ فقد كان لها حضور في كتب الرحالة والجغرافيين القدماء، واستمرت أخبارها تتواتر عبر مختلف العصور التاريخية.

سحر الطبيعة الفريد

أشجار دم الأخوين، بظلالها المظلية التي تجمع الضباب، تبدو ككائنات أسطورية تحرس الجزيرة منذ آلاف السنين. يمكن أن تعيش ألف عام، وتفرز راتنجاً أحمر يُستخدم في الطب والفن. لكن وفرتها مضللة؛ فالأشجار تنمو ببطء شديد، وصغارها نادرة بسبب الرعي الجائر وتغير المناخ. إلى جانبها، الورد الصحراوي بجذوعه المنتفخة وأزهاره الفوشية، وشجرة الخيار الوحيدة في العالم، تضفي على المشهد طابعاً سريالياً يثير الدهشة. أكثر من 37% من نباتات الجزيرة متوطنة، وأكثر من 90% من الزواحف والرخويات لا توجد في أي مكان آخر.

أساطير وطرق تجارة قديمة

منذ العصور القديمة، كانت سقطرة محطة على طرق التجارة البحرية. نقوش كهف “هوك” تكشف عن مرور تجار من الهند وإثيوبيا وجنوب الجزيرة العربية، فيما كان اللبان السقطري يُحرق في معابد مصر واليونان وروما. الأساطير المحلية تقول إن دم الأخوين نبت من دم أخوين تقاتلا حتى الموت، أو من دم تنين جريح، ما يضيف بعداً أسطورياً للسياحة الثقافية.

الإنسان والبيئة

سكان الجزيرة يعيشون في أكثر من 600 قرية صغيرة، يقودها “المقدّم” أي الشيخ الذي يحل النزاعات سلمياً، في تقليد حافظ على الموارد الطبيعية قروناً طويلة.

الشعر السقطري ما زال يُتلى بلغتهم القديمة غير المكتوبة، فيما يستمر الصيادون والرعاة في حياتهم التقليدية. هذه الثقافة السلمية جعلت من سقطرى نموذجاً فريداً في الحفاظ على البيئة.

السياحة البيئية

كان عدد السياح لا يتجاوز 10 آلاف سنوياً، في العام 2013 بسبب القصور في الترويج للجزيرة، غير ان العدد تغير، خاصة ان الإمارات ربطت الوصول إلى الجزيرة عبر مطاراتها هي من الشارقة وابوظبي وغيرها، وبعد الخلاف السعودي الإماراتي أصبح الوصول إلى سقطرة يتم عبر مطار جدة في السعودية وليس عبر المطارات اليمنية، لذا ليس لدينا إحصائية أو تقديرات بعدد السياح الواصلين لسقطرى.  

وإجمالا سقطرة تحمل إمكانات اقتصادية هائلة من خلال تطوير السياحة البيئية المستدامة، فيستطيع السائح التخييم في الطبيعة، خاصة انه لا يوجد في الجزيرة حيوانات مفترسة أو حتى كلاب، وإنما عبارة عن اغنام وماعز وجمال وطيور، كما يستطيع السائح زيارة غابات دم الأخوين، وكذلك السباحة في شواطئ قلنسية، أو محمية “دحمري” المشهورة بالشعاب المرجانية، كما يستطيع استكشاف الكهوف الحجرية، واكتشاف الطبيعة الحقيقة كما خلها الله.

كل ذلك يمثل فرص استثمارية في غاية الأهمية وتحويل سقطرة إلى أهم وجهة سياحية عالمية، إذا ما أُديرت بحكمة، يمكن للسياحة في اليمن بشكل عام وسقطرة بشكل خاص أن تصبح رافعة اقتصادية لليمن، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط والغاز.

سقطرى ليست وجهة سياحية فقط، بل فرصة اقتصادية تتمناها وتحلم بمثلها أي دولة، سقطرة يمكن أن تتحول إلى نموذج عالمي للسياحة المستدامة، يدر دخلاً كبيراً ويحافظ على التراث الطبيعي، لكن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً، وإدارة رشيدة للموارد، واستثمارات مدروسة، فإذا نجح اليمن في ذلك، فإن “جزيرة دم الأخوين” سقطرة قد تصبح رمزاً للتحول الاقتصادي، في اليمن. والامارات والسعودية يدركان ذلك جيدا.

المنتجات المحلية.. ذهب أحمر وأبيض

راتنج دم الأخوين، اللبان، والعسل السقطري ليست مجرد منتجات طبيعية؛ بل علامات تجارية عالمية محتملة، يمكن تسويقها كمنتجات فاخرة في الأسواق الدولية، ما يفتح باباً للتصدير ويعزز الاقتصاد المحلي، لكن ذلك يتطلب تنظيم رسمي يحمي الموارد من الاستنزاف ويضمن استفادة المجتمعات المحلية، بمعنى ادق يحتاج إلى دولة حقيقية وليست سلطة تابعة.

البنية التحتية والاستثمار

 بعد بناء المطار عام 1999، بدأت عجلة التنمية في الجزيرة ولو انها ليس بالقدر المطلوب الذي تستحقه سقطرة، تم انشاء عدد من الطرق وعدد من الفنادق، وبعد زيارة وفد من الصحفيين لسقطرة في 2013 كنت ضمن هذ الوفد تم اعلان سقطرة كمحافظة مستقلة بذاتها بعد ان كانت تعتبر مديرية من مديريات محافظة حضرموت.

استبشر الكثير بهذا الإعلان كي تتسارع عجلة التنمية وان تنال سقطرة ما تستحقه من اهتمامـ غير ان الاحدث التي حدثت في المين بعد الحرب في 2015 والتي لا تزال اثرت على جزيرة سقطرة رغم بعدها الجغرافي عن مناطق الصراع.

التحديات التي تهدد الجزيرة

هناك العديد من التحديات التي تهدد الجزيرة منها على سبيل المثال الأمطار والأعاصير التي تهب عليها في بعض السنوات والتي تدمر العديد من المنازل خاصة انها منازل شعبية، كتلك التي ضربت الجزيرة عام 2015 ودمّرت البنية التحتية وشرّدت ثلث السكان، كذلك الرعي الجائر من الماعز يهدد بشكل كبير نمو الأشجار الصغيرة، فيما المشاريع السياحية غير المدروسة تهدد المواقع الطبيعية والأثرية، وكذلك العبث الإماراتي لسقطرة وجرف سلطات أبو ظبي للعديد من الأشجار النادرة أيضا أثر عليها وعلى تنوعها النباتي بشكل كبير.

سقطرة تم إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، غير ان علماء البيئة والتنوع الحيوي يخشون عليها من موجة التنمية الغير مدروسة والتي قد تهدد او تقضي على التنوع البيولوجي في الجزيرة.

مناطق سياحية

تعتبر جزيرة سقطرى بمختلف مناطقها، سهولها وجبالها، هضابها ووديانها وسواحلها مناطق سياحية في غاية الروعة والجمال، وفيها بعض المناطق الآسرىة للقلوب لجمالها الطبيعي الفريد، ساحل محمية ديحمري التي تأتي في المرتبة الأولى؛ نظرا لما تحتويه من الشعاب المرجانية النادرة على مستوى الجزيرة و على مستوى العالم وهي المكان المفضل لمشاهدة الشعاب المرجانية الجميلة واسماك الفرشة عند الغطس وتعتبر اسماك الفراشة من أجمل الأسماك في العالم.

– كذلك شاطئ عرهر والذي يعتبر من أبرز الشواطئ الجميلة في سقطرى حيت يتميز بكثبانه البيضاء الجميلة والمياه العذبة الجارية إلى البحر من الكهف طول السنة ويزيد جريانه بزيادة نسبة هطول الامطار، كما يستطيع الزائر لمحمية عرهر أن يتمتع بمشاهدة سرطان البحر هذا المخلوق العجيب الذي يجري بين صخور هذه المحمية طوال العام، أيضا يمكن مشاهدة صغار السلاحف المائية وهي تركض مسرعة على الشاطئ وكأنها كرات خضراء تضرب الرمال بأذرعها التي تشبه مجاذيف صغيرة، لتحتمي بمياه المحيط من الطيور الجارحة التي تنقض عليها، كذلك توجد محمية ديطوح البحرية في مديرة قلنسية والتي تعتبر من المحميات الرائعة الجزيرة خاصة أنها تتميز بكثافة اشجار النخيل التي تمتد إلى مياه المحيط.

– أما بالنسبة للكهوف فهناك كهف حوق، أو هوك والذي يعتبر من أشهر الكهوف الخمسين الموجودة على الجزيرة يمكن للسائح الوصول من خلال المرور فوق الوديان الخلابة ومن ثم الصعود إلى أعلى الجبل لمدة ساعتين ليشاهد السائح كهف لا يشاهده أبدا إلا في الخيال لكنه في سقطرى حقيقة، يتميز بكثرة الصخور الجيرية والكلسية التي تتدلى من سقفه أو تلك التي نبتت في أرضيته بفعل جريان المياه فيه طوال العام ، أيضا هناك كهف ديجوب الذي يقع في محمية ديكسم التي تشتهر بأشجار دم الأخوين ، وتقطن هذا الكهف العديد من الطيور النادرة كالعصفور السقطري والزرور السقطري والرخمة المصرية واخرى، وهذا الكهف يمكن للسائح الوصول إليه بسهولة؛ لأن الطريق مسفلتة إلى باب الكهف.

– كذلك هناك محمية ديكسم، التي تشتهر بكثافة أشجار دم الأخوين التي تنبت فيها وهي الشجرة التي تعتبر رمز سقطرى، ويبدو بعض منها كمظلة عادية، والبعض الآخر كمظلة قوستها الريح إلى أعلى، شجرة دم الأخوين التي يعالج بها العديد من الامراض لعل أبرزها النزيف لها العديد من الأسماء كشجرة دم العنقاء أو شجرة التنين أو شجرة البركة، من أجل كل ذلك يأتي السياح الاجانب إلى الجزيرة من كل حدب وصوب، حيث يزورها أكثر من ثلاثة الف زائر في موسم السياحة بالرغم من تواضع الفنادق الموجودة التي لا تزيد عن أربعة فنادق وتدني وبالأصح انعدام الخدمات السياحية فيها.

 سقطرى في الإعلام العالمي

تقارير ناشيونال جيوغرافيك وصفتها بأنها “أكثر مكان يبدو غريباً على الأرض”. BBC Travel عرضتها كوجهة حالمة بعيدة عن الصراعات، فيما تناولت The Guardian علاقتها بالسياسة اليمنية. أبحاث ميراندا موريس ركزت على النباتات النادرة والتنوع البيولوجي، مؤكدة أن الجزيرة تمثل مختبراً بيئياً لا مثيل له.

اقرأ أيضا: تراجع إنتاج العسل في وصاب العالي بسبب التحطيب الجائر

Exit mobile version